السبت، 26 سبتمبر 2026
دراسة نظام الزوجية في القرآن ، دراسة تحليلية ، الباحث / عباس سبتي مارس 2026
مقدمة :
ركز تعالى على نظام الزوجية في القرآن كي يتحدى معاصري القرآن ليس فقط قريش وأنما يتحدى غيرها من الأمم إلى يوم الدين ، حيث ذكر تعالى في الآية " مما لا يعلمون .. يس /36 " أي أنه خلقهم وخلق غيرهم وخلق ما لا تعلمون ، وعبر تعالى بالعلم وليس بالادراك في " مما لا يعلمون " باعتبار العلم شامل دون الادراك ، ثم أن الادراك يضم أشياء مخصوصة ، وان الادراك طريق من طرق العلم ، ويفهم من الآية أن الخلق متعلق بالخالق وهو الله تعالى ويقر به معاصرو القرآن ، وبالتالي أن تعالى انفرد بالخلق والخالقية فلماذا تشركون به ؟
ينبه تعالى في الآية من خلال نظام الزوجية في الكون أن الزوج محتاج إلى زوج ومكمل له فهو فقير لذا صفة الزوجية فقر ونقص ، بينما تعالى هو فرد واحد ولا زوج له ولا ولد ...
نحن نعلم أن العزيز الحكيم خلق الإنسان وجعل منه زوجين ذكرا وأنثى ، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ، الحجرات /13) حتى يكون للإنسان رفيق ويزداد التعارف والمودة بين خلقه ، ولم يقتصر نظام الخلق على الإنسان فقط بل وشمل مملكة الحيوان ، فقد جاء في خلق الانسان والحيوان قوله تعالى: (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى من نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ، النجم / 45) ، وقول الله تعالى: (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ، هود / 40) ، وشمل نظام الخلق مملكة النبات قال تعالى: (وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ، الرعد /3 ) ، فالإنسان والشطر الأكبر من فصائل الحيوان والنبات خلقوا جميعا في صورة الذكر والأنثى , هذا ما يخبرنا به القرآن وهو ما تعلمناه في علوم الأحياء في المدارس .
تأمل آية (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ، الذاريات / 49 ) لوجدنا أن كل شيء حتى الجماد أو المادة خلقت في صورة زوجين , فالخلاق الكريم لم يخلق الإنسان والحيوان والنبات فقط في صورة زوجين ، بل جعل من كل شيء زوجين حتى من الجماد والمادة وهذا هو تفسير الشمول التام الذي نراه في الآية السابقة .
آيات الخلق في القرآن :
توجد آيات القرآن الكريم وذكر خلق السماوات والأرض، والإنسان، و.....، كدلالة على قدرة الله ووحدانيته، وتتنوع بين مراحل تطور الجنين، وأطوار الخلق، وبداية النشأة، ومن أبرزها: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} [الأعراف: 54]، و{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ} [المؤمنون: 12].
أبرز آيات الخلق في القرآن الكريم مقسمة حسب الموضوع:
1. آيات خلق السماوات والأرض (الكون)
• خلق الكون في ستة أيام: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54].
• خلق الأرض والجبال: {وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ} [لقمان: 10].
• تنوع الخلق: {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الذاريات: 49].
2. آيات خلق الإنسان (أطوار ومراحل)
• أطوار خلق الإنسان: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} [المؤمنون: 12-14].
• أصل خلق الإنسان: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} [الحج: 5].
• التسوية والتركيب: {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ} [الانفطار: 7-8].
• الخلق أطواراً: {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} [نوح: 14].
3. آيات القدرة على "إعادة الخلق" (البعث)
• البدء والإعادة: {قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} [يونس: 34].
• إعادة الخلق: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} [الأنبياء: 104].
4. آيات عامة في الخلق
• شمولية الخلق: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16].
• الخلق للحق: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض بالحق ( إبراهيم / 19) .
الآيات في " الخلق " :
وردت مادة "خلق" ومشتقاتها في القرآن الكريم نحو " 252 " مرة، تشمل خلق السماوات، الأرض، الإنسان، والكون في سور عديدة، منها: الأعراف، هود، الفرقان، السجدة، ق، والطلاق. ، تم خلق الكون في ستة أيام/أطوار، والآيات شاملة وموزعة عبر سور القرآن لتبيان عظمة الخالق.
تفاصيل آيات الخلق في القرآن:
• السور والمواضع: وردت آيات الخلق في معظم سور القرآن الكريم، وتتضمن خلق السماوات والأرض، خلق الإنسان من طين، وخلق الجان، والمراحل المختلفة للخلق.
• الخلق في ستة أيام: تكرر ذكر خلق السماوات والأرض في ستة أيام في سبعة مواضع، منها قوله تعالى: "إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ" [الأعراف: 54 ) .
أقوال بعض مفسري القرآن :
معنى الأزواج ، الزوج :
جاء في تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج ١٧ - الصفحة ٨٧-٨٨: قوله تعالى: " سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ، لذا معنى الأزواج الأنواع والأصناف من نبات وحيوان وإنسان و...
والمقارنة ونوع من التألف والتركب من لوازم مفهوم الزوجية. قال الراغب: يقال لكل واحد من القرينين من الذكر والأنثى في الحيوانات المتزاوجة: زوج، ولكل قرينين فيها وفي غيرها: زوج كالخف والنعل، ولكل ما يقترن بآخر مماثلا له أو مضادا: زوج، قال: وقوله: " خلقنا زوجين " فبين أن كل ما في العالم زوج من حيث إن له ضدا ما أو مثلا ما أو تركيبا ما بل لا ينفك بوجه من تركيب ، هذا التزاوج والتركيب في كل مخلوق هو تنبيه ودلالة واضحة على أن الخالق سبحانه وتعالى هو "الفرد" الأحد الذي لا نظير له ولا شريك، وكل ما عداه مركب مفتقر إلى صانعه ( المفردات في غريب القرآن ، الراغب الاصفهاني ، ج1 ، ص263 ) .
المقصود بالزوجية هنا الذكورة والأنوثة، يقول تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾ [النجم: 45]. ويقول الألوسي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الرعد: 3]: "﴿وَمِن كُلّ﴾ متعلق يجعل في قوله تعالى: ﴿الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي اثنينية حقيقية، وهما الفردان اللذان كل منهما زوج الآخر" ، وأضاف المراد بالزوجين هنا صنفين أثنين : الأسود والابيض ، الحلو والحامض، الصغير والكبير ، الرطب واليابس ، كما يذكر ان اللفظ يحتمل أيضا ما يتعلق بالذكورة أو الأنوثة في النباتات التي يقصد بها التلقيح كفحال النحل وإناثها ، وأن التعبير بالأثنين جاء لبيان الحد الأدنى للاعتبار فما زاد عن ذلك في أصناف الثمار هو من باب اولى في الدلالة على باهر قدرة الله تعالى وعظمته ( روح المعاني ، الألوسي ، الرعد / 3 ) .
وقال الفخر الرازي ت 606هـ ، تفسيره " مفاتيح الغيب " :
هذا النقل الدقيق يُلخّص رؤية الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره المشهور "مفاتيح الغيب" (المعروف بالتفسير الكبير)، حيث يُقدّم فيه قياسًا عقليًا وتأصيليًا لنشأة الحياة على الأرض.
ويمكن تلخيص المعنى الدلالي والتربوي لهذا النص بالقول:
وحدة الأصل البشري: يُذكّر النص بأن الكثرة الهائلة للبشرية اليوم تعود في أصلها التاريخي والبيولوجي إلى زوجين اثنين فقط بالشخص، وهما آدم وحواء عليهما السلام.
قياس الكائنات الأخرى على الإنسان: يُعمم الرازي هذا الأصل على عالم النباتات (الأشجار والزرع)، معتبرًا أن الأصناف والأنواع النباتية المتنوعة بدأت أيضًا من أصول أولى محدودة ثم تكاثرت وتفرعت .
وتذكير تعالى لمعاصري القرآن أن الليل والنهار يمثلان الزوجية ، وأن تعالى خالق كل شيء ، وتتمثل الأولى فيما تنبت الأرض: ﴿وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الرعد: 3]، وتتمثل الثانية في ظاهرتي الليل والنهار: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ، الأعراف / 54﴾، والمشهد الأول يتضمن حقيقة لم تعرف للبشر من طريق علمهم وبحثهم إلا قريباً، هي أن كل الأحياء وأولها النبات تتألف من ذكر وأنثى، حتى النباتات التي ظنً أن ليس لها من جنسها ذكور، تبين أنها تحمل في ذاتها الزوج الآخر، فتضم أعضاء التذكير وأعضاء التأنيث مجتمعة كما في زهرة،
زوج ، ولكلّ ما يقترن بآخر مماثلاً له أو مضادّاً : زوج ، قال تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} [الصافات: 22] أي قُرناءهم ممّن تَبِعوهم ، {إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ} [الحجر: 88] أي أشباهاً وقُرناء ، {وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً} [الواقعة: 7] أي قُرناء ثلاثة ، وقوله تعالى: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} [التكوير: 7] فقد قيل في معناه : قُرن كلّ شيعة بمَن شايعهم ( تفسير البغوي ، 8/ 348) .
وقيل : الزوج أي اللون ، البيت الذي استشهد به المفسرون للأعشى في سياق تفسير زوجين اثنين بأن الزوج هو اللون أو النوع هو:
صَفَرَّايَةٌ مِثلُ نِتاجِ نِقْزِ
فيها ألوانٌ وفُرْعٌ بَزُّ
وفي بعض التفسيرات يُروى: "وَكُلُّ ضَرْبٍ مِنَ النَّبَاتِ يُدْعَى لَوْنًا".
شرح البيت في سياق الآية:
يقصد أن الآية الكريمة {احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} (سورة هود / 40)، تعني احمل فيها من كل لونٍ (نوعٍ) من أنواعِ الحيواناتِ أو النباتات صنفين، وليس فقط ذكرًا وأنثى.
بيت الأعشى الكامل المقصود في هذا التفسير:
أَلَمَّا بَدَا لِلصَّيْرَفِيِّ فَأَدْلَجَا ... صَفَرَّايَةٌ مِثلُ نِتاجِ نِقْزِ
فيها ألوانٌ وفُرْعٌ بَزُّ
المفردات:
• صفرّاية: نوع من الثياب أو الإبل، وربما يقصد به لون معين.
• نِقز: حيوان.
• ألوان: أصناف وأنواع.
• فُرْع: شعر الجارية أو جزء من النبات.
• بَزُّ: ثياب أو متاع.
والمعنى أن البيت يصف التنوع والكثرة في الأنواع والظروف، وهو ما يفسر استخدام "زوج" بمعنى اللون والضرب والنوع.( جامع البيان هن تأويل آي القرآن للطبري تفسير سورة هود آية 38) .
يرى أبو علي الفارسي في تفسير قوله تعالى: {مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ}، أن "الزوجين" لا يُقصد بهما عدد الاثنين فقط (ذكر وأنثى)، بل يراد به الشياع والانتشار من جنسه، أي أصناف متعددة من كل نوع، ويُستشهد على ذلك بأن الكلمة تأتي بمعنى "النوع" أو "الصنف" كما في لغة العرب.
والشاعر الذي يُستشهد بقوله في هذا السياق (وهو أحد احتمالات التوجيه اللغوي) هو: آية ثمانية أزواج من الضَأْنٍ ومن المَعْزٍ اثنين ( الأنعام / 143).
يذكر المفسرون هذا التوجيه (الشياع/الأنواع) كبديل لتفسير الزوجين بالذكر والأنثى، ليدل على تنوع أصناف المخلوقات التي حملها نوح عليه السلام، وليس مجرد ذكر وأنثى واحد من كل نوع. ( مؤسسة التقى الثقافية ، شرح آية احمل فيها من كل زوجين اثنين ، راجع تفسير البرهان وتفسير التبيان ، 20/8/2026 ) .
وقوله : ( خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ) ، بيّن أنّ كلّ ما في العالم زوج مِن حيث أنّ له ضدّاً أو مِثلاً أو تركيباً مّا ، بل لا ينفكّ بوجهٍ من تركيب ،
في علم الرياضيات هناك أعداد موجبة وأخرى سالبة باعتبار ان نظام الكون يقوم على قوانين محكمة ، وفي البحار والأنهار يوجد ماء عذب وماء مالح ( فاطر / 12) ، وكل جزء من ماء مركب ذرة اوكسجين سالبة ومن ذريتين من الهيدروجين الموجب .
يشكك بعض بنظام الزوجية المطروح في القرآن أن بعض النمل لا يتكاثر وهناك من الفيروسات والخلايا وغيرها تتكاثر بالانقسام ومخلوقات لا فيها ذكر وأنثى ، لكن الفيروس يتكون من ذرات والذرة تحوي قسماً سالباً وقسماً موجباً، ولذلك فإن عالم الأزواج يسكن داخل أي مخلوق مهما كان نوعه، والفيروس أو الخلية تحوي في داخلها الحمض النووي DNA وهو شريط مزدوج، ولولا هذه الازدواجية لم تتمكن الخلية من التكاثر والانقسام .
حول هذه الآية المباركة، قال العلّامة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله(رض): " سبحان الذي خلق الأزواج كلها " ( يس / 39) ، في ما تعنيه كلمة الزوجيّة من الذكورة والأنوثة، أو الجانب الموجب والجانب السالب، في تنوّعها في الشكل والطبيعة والآثار، {مِمَّا تُنبِتُ الأرْضُ} من الثمار والخضروات والورود ونحوها {وَمِنْ أَنفُسِهِمْ} في الرجل والمرأة {وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} مما خلقه الله من الموجودات التي أودع فيها قانون الزوجيّة، حتى الذرّة التي هي أصغر الأشياء.
إن التطلّع إلى اختلاف الموجودات في أشكالها وعناصرها وصغرها وكبرها، مع ملاحظة وحدتها في هذا القانون الطبيعي الذي تتمثل فيه الوحدة الكونية، لأكبر دليلٍ على عظمة الإبداع في قدرة الخالق وحكمته المطلقة، إذ ترتبط الأشياء ببعضها بعض من خلال حاجة كلّ زوجٍ إلى ما يتّحد معه في حركة الوجود". [تفسير من وحي القرآن، فضل الله ، ج 19، ص 147].
العوالم التي خلقها الله سبحانه هي عالم الإنس و عالم الجن و عالم، الملائكة وعالم الحيوان وعالم النبات و عالم الجماد ، و لا يخرج شيء من مخلوقات الله فيما نعلم عن هذه العوالم ، وأي مكون من مكونات هذه العوالم مادام قد دخل فيه عنصر فهو زوج ، فمثلاً الإنسان و الحيوان تدخل فيهما عناصر عن طريق الطعام؛ والنبات تدخله العناصر عن طريق الامتصاص من التربة, و الجماد مهما كان عناصره (هواء, معدن, خشب………إلخ) فهو يتكون من عناصر وكل عنصر كما نعرف يتكون من ذرات وكل ذرة تحتوي علي عدد متساو من إلكترونات سالبة و بوزيترونات موجبة, والإلكترون و البوزيترون جسيمان متساويان في الكتلة و متضادان في الشحنة ً. إذن يستحيل أن يعتبر الواحد من الإنسان أو الحيوان أو النبات أو الجماد فردا بل زوج بكل تأكيد .
نظام الزوجية تحدى تعالى معاصري القرآن أنهم مما لا يعلمون :
وجاء في مجلّة عالَم الفِكر الكويتيّة العدد الثالث ( ج1 ، ص114 ) : ممّا يَستوقف الذهن إشارة القرآن أنّ أصل الكائنات جميعاً تتكوّن من زوجَين اثنين... وقد اكتشف العلم الحديث وحدة التركيب الذرّي للكائنات على اختلافها وأنّ الذرّة الواحدة تتكوّن من إلكترون وبروتون ، أي من زوجَين...
وقد أثبت عِلم الأحياء الحديث أنّ الأحياء برُمّتها إنّما تتوالد وتتكاثر بالازدواج التناسلي ، وحتّى في الحيوانات الابتدائيّة ذوات الخليّة الواحدة ( أميبا ) والدِيدان أيضاً .
ففي مُستعمرة الفلفكس ( مجموعة خلايا كثيرة تتألّف من نحو 12000 خليّة مرتبطة ببعضها بواسطة خيوط بروتوبلازمية فيتمّ بذلك الاتصال الفسلجي بين الوحدات ) تظهر خلايا التناسل الذكرية والأُنثويّة بشكل حُجَيرتَين : إحداهما حُجَيرة تناسل ذكريّة ، والأُخرى حُجَيرة تناسل أُنثويّة ، وهكذا تحتوي كلّ دودةٍ على أعضاء تناسل ذكرية وأُنثويّة نامية ويتمّ الإخصاب داخل جسم الدودة فتخرج البيوض مُخصّبة لتُعيد دورة حياة جديدة ، وفي مِثل الدِيدان التي تتكاثر بالانقسام فإنّ جهاز التناسل يوجد في نفس الحيوان بشكل أعضاء تناسليّة ذكريّة وأُنثويّة ، على ما شرحه علم الأحياء .
أهمية ذكر آيات الزوجية في القرآن :
تتجلى أهمية ذكر آيات الزوجية في القرآن الكريم في ترسيخ مفهوم الزواج كآية كونية كبرى ودعامة أساسية لبناء المجتمع الإنساني وفق نظام إلهي عادل ومتوازن. لم يتعامل القرآن مع الزواج كعقد مدني عابر، بل كمنظومة تشريعية وأخلاقية متكاملة. ( مقاصد الزواج في القرآن الكريم وأثرها في استقرار الأسرة ، موقع اسلام ويب ، 2/6/2026 ، وحقوق الزوجين في القرىن الكريم : دراسة في التوازن والعدل الأسري ، 21/6/2026) .
يمكن تقسيم أهمية ذكر هذه الآيات وأبعادها إلى عدة محاور رئيسية:
. الدلالة على القدرة الإلهية والتوحيد :
• آية كونية: جعل الله سبحانه نظام الزوجية دليلًا على حكمته وقدرته في الخلق؛ قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا...} [الروم: 21].(موقع جزيرة نت ، مودة ورحمة .. عن الحب في القرآن ، 21/10/2018 ، موقع المملكة المغربية ، وزارة الأوقاف ، جامعة القرويين ، الزوجية في القرآن الكريم : دلالات ووظائف ومقاصد ، بقلم د. فاطمة بوسلامة ).
• التفرد لله وحده: يذكر القرآن أن كل شيء في الكون مخلوق من زوجين (الليل والنهار، الذكر والأنثى، الكفر والإيمان ....) ليتفطن الإنسان أن التفرّد والوحدانية التامة هي لله وحده صانع هذا النظام. ( الزوجية في القرآن الكريم : دلالات ووظائف ومقاصد ، بقلم د. فاطمة بوسلامة ).
تحقيق المقاصد النفسية والاجتماعية :
السكن النفسي والطمأنينة: تؤكد الآيات أن المقصد الأول للزواج هو الراحة الوجدانية والأنس والاستقرار المتبادل بين الطرفين.
المودة والرحمة: صاغ القرآن العلاقة على أساس العاطفة الراشدة؛ فالمودة هي الحب الباعث على الإحسان، والرحمة هي الشفقة الباعثة على العفو والتسامح.
حفظ النسل وعمارة الأرض: الإشارة إلى الزواج كوسيلة شرعية ممتدة لبناء الأجيال واستمرار الوجود البشري. ( حقوق الزوجين في القرىن الكريم : دراسة في التوازن والعدل الأسري ، 21/6/2026 , موقع الجزائر ، وزارة الشئون الدينية و الاوقاف : وصفة شرعية : معالجة الخلافات الزوجية ، بقلم زوبير مسعودي ، 15/9/ 2026 ، موقع اسلام ويب ، مقاصد الزواج في القرآن الكريم وأثرها في استقرار الأسرة ، 2/6/2026) .
إرساء مبدأ التوازن والعدل الأسري :
المعاملة بالمعروف: وضع القرآن قاعدة الحقوق والواجبات المتبادلة في قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228]، مما يمنع الاستبداد أو الاستعلاء داخل الأسرة.
الميثاق الغليظ : وصف القرآن عقد الزواج بـ "الميثاق الغليظ" لتعظيم مكانته والتحذير من التهاون بقدسيته أو ظلم المرأة ( حقوق الزوجين في القرآن الكريم : دراسة في التوازن والعدل الأسري ، 21/6/2026، موقع القرآن دنيا ، آيات نسيها الأزواج أم يجهلونها ، 28/10/ 2024 ) .
صيانة الأخلاق وحفظ الفطرة :
التحصين والعفاف: يبرز القرآن أهمية النكاح والتشجيع عليه كحماية للفطرة الإنسانية السوية، وحفظ للمجتمع من الانحلال والاضطراب الأخلاقي ( العتبة الحسينية المقدسة ، أهمية الزواج في الشريعة الاسلامية ، الشيخ غالب عبدالحسين نعيمة ، 27/3/2026 ، موقع اسلام ويب ، مقاصد الزواج في القرآن الكريم وأثرها في استقرار الأسرة ، 2/6/2026 ) .
هل اتفق القرآن مع العلم الحديث في نظام الزوجية ؟
نعم، يتوافق القرآن الكريم بشكل لافت مع العلم الحديث في مفهوم ونظام "الزوجية"، حيث يمتد هذا المفهوم في المنظور القرآني من الإطار الاجتماعي والبيولوجي البشري ليشمل كل مكونات الكون المحيط بنا. ( موقع موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن ،الزوجية في الخلق : رؤية علمية وإعجاز قرآني ، بقلم فراس وليد ، 10/9/2024) .
عند النظر إلى الآيات القرآنية ومقارنتها بالاكتشافات العلمية الحديثة، نجد هذا التوافق يتجلى في مستويين رئيسيين:
1. نظام الزوجية الكوني (الفيزياء والمادة)
ذكر القرآن الكريم أن كل شيء في هذا الكون مبني على نظام الثنائية أو الزوجية؛ حيث يقول الله تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الذاريات: 49).
وقد أثبت العلم الحديث أن هذا المبدأ هو الحجر الأساس لبنية الكون: ( فراس وليد ، الزوجية في الخلق ).
• الذرة ومكوناتها: تتكون كل ذرة من شحنات موجبة (البروتونات) وشحنات سالبة (الإلكترونات)، ولا يمكن للمادة أن تستقر وتتشكل بدون هذا التوازن الزوجي الثنائي.
• المادة والمادة المضادة (Antimatter): اكتشف علماء الفيزياء الحديثة أن لكل جسيم مادي في الكون جسيماً مضاداً له تماماً في الخصائص ومعاكساً له في الشحنة (مثل الإلكترون والبوزيترون). ( فراس وليد ، الزوجية في الخلق ) .
• الكهرباء والمغناطيسية: تقوم الطاقة في أصلها على القطبية الثنائية (سالب وموجب / شمالي وجنوبي).
2. نظام الزوجية البيولوجي (الأحياء والنبات)
أشار القرآن إلى أن نظام الزوجية لا يقتصر على الإنسان والحيوان فقط، بل يمتد إلى النباتات وما لا يراه الإنسان؛ حيث يقول تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يس: 36).
• عالم النبات: في وقت نزول القرآن، لم يكن معروفاً على نطاق واسع أن النباتات تصنف إلى ذكور وإناث وتحتاج إلى التلقيح لإنتاج الثمار، وهو ما أكده العلم الحديث لاحقاً بشكل قاطع في علم تصنيف وتشريح النبات.
• الكائنات الدقيقة: أثبتت البيولوجيا الحديثة وجود التكاثر والجنس والزوجية حتى في عالم البكتيريا والفيروسات والكائنات الدقيقة ("ومما لا يعلمون").
3. النظام النفسي والاجتماعي للزوجية (الإنسان)
من الناحية النفسية والطبية، يصف القرآن العلاقة الزوجية الإنسانية في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم: 21). ( موقع musawah ، تحكيم القرآن في العلاقات الزوجية ، ندوة العدل والاحسان في الزواج ،11/5/2014، موقع الالوكة ، حدثنا القرآن عن العلاقة الزوجية ، نبيل بن عبدالمجيد النشمي
• يؤكد علم النفس وعلم الاجتماع الحديث أن الاستقرار العاطفي والنفسي (السكينة) الذي توفره العلاقة الزوجية القائمة على الدعم المتبادل يُعد عاملاً أساسياً في خفض مستويات التوتر، وتعزيز الصحة النفسية والبدنية للإنسان، وإطالة العمر الافتراضي مقارنة بحياة العزلة.
بناءً على ذلك، يرى العلماء والباحثون في الإعجاز العلمي أن شمولية لفظ "الزوجية" في القرآن لكل شيء في الخلق تُعد سبقاً علمياً مذهلاً توافق تماماً مع ما كشفته أدوات العلم الحديث وتجاربه. ( موقع موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن ،الزوجية في الخلق : رؤية علمية وإعجاز قرآني ، بقلم فراس وليد ، 10/9/2024) .
الملائكة مستثناة عن نظام الزوجية ولكن :
تُجمع الآراء الفقهية والتفسيرية على أن الملائكة لا ينطبق عليهم مفهوم الزوجية بالمعنى البيولوجي والتناسلي (الذكورة والأنوثة)، فهم مستثنون تماماً من التكاثر والجنس
أما بالنسبة لدخولهم تحت مظلة الآية الكريمة: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (الذاريات: 49)، فقد قسّم العلماء والمفسرون القضية إلى اتجاهين رئيسيين لتوضيح هذا المفهوم .
1. مفهوم الزوجية بالمعنى البيولوجي (التناسل)
• حكم الملائكة: مستثنون بإجماع العلماء. الملائكة عالم غيبي مخلقون من نور، ليسوا ذكوراً ولا إناثاً، ولا يأكلون ولا يشربون ولا يتناسلون.
• العلة التفسيرية: لفظ "كل شيء" في القرآن الكريم لا يفيد العموم المطلق في بعض المواضع، بل يُقصد به "كل شيء مما يتناسل أو يحتاج إلى قرين"، مثل قوله تعالى عن ريح عاد: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} ومع ذلك لم تدمر السماء والأرض. بالتالي، فالملائكة خارجون عن هذا السياق أصلاً.
2. مفهوم الزوجية بالمعنى الكوني العام (التقابل والتضاد)
إذا فُسِّر "الزوجين" في الآية بمعنى الأصناف المتقابلة والملونة في الكون (مثل: السماء والأرض، الليل والنهار، الإيمان والكفر، السعادة والشقاء) ليظل الله وحده هو الفرد الصمد :
• حكم الملائكة: يمكن اعتبارهم داخلين في هذا النظام التقابلي بصفاتهم ووظائفهم.
• أمثلة على زوجية الملائكة (التقابلية):
o ملائكة الرحمة مقابل ملائكة العذاب.
o ملائكة الحسنات مقابل ملائكة السيئات.
o وجود عالم الملائكة كزوج غيبي مقابل عالم الجن والإنس المشهود.
راجع أي كتاب في الإعجاز العلمي أو العقيدة (مثل كتب الزنداني أو زغلول النجار أو كتب التفسير)،
اختلف المفسرون في تفسير قوله تعالى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذريات:49]. على قولين حكاهما ابن جرير رحمه الله وغيره: الأول: أن المراد بالزوجين الإشارة إلى المتضاد والمتقابلات من المخلوقات، كالذكر والأنثى، والسماء والأرض، والليل والنهار، والشمس والقمر، والبر والبحر، والضياء والظلام، والإيمان والكفر، والموت والحياة، والشقاء والسعادة، والجنة والنار، ونحو ذلك. وهذا القول مروي عن مجاهد والحسن رحمهما الله. الثاني: أن المراد بالزوجين: الذكر والأنثى، وهذا القول مروي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم رحمه الله. وقد رجح القول الأول ابن جرير، واقتصر عليه البخاري في تفسير الآية، وكذلك اقتصر عليه البغوي وابن كثير والبيضاوي والواحدي وابن الجوزي وغيرهم، مما يدل على ترجيحهم لهذا القول .
أن الآية في سياق التدليل على قدرة الله ووحدانيته لا ريب. وعلى هذا، فعلى القول الراجح لا إشكال في تناول الآية للملائكة كتناولها لسائر المخلوقات، لأن الله تعالى قد خلقهم وخلق الشياطين، كما خلق الجن والإنس وسائر المتقابلات. وعلى رَبِّهَا أي كل شيء يقبل التدمير، فقد خرج من دلالة الآية السماء والأرض وأمور كثيرة، كما هو معلوم بالحس. والله أعلم. ( موقع اسلام ويب ، الملائكة ). القول المرجوح، فالآية لا تتناول الملائكة، ويكون المراد بقوله تعالى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ من كل شيء يقبل ذلك، كقوله تعالى في الريح التي سلطها على عاد: ُتدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ ربها .
قانون الزوجية في الكون وتطبيقه على الغيبيات"
يُعدّ قانون الزوجية الكوني أحد أبرز السنن الإلهية والمبادئ المطلقة الشاملة التي تحكم هذا الوجود. ويتجلى هذا القانون بوضوح في قوله تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: 49]، وقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ ، يس / 36 ) ﴾ .
تأتي صياغة الآية بلفظ "كُلِّ شَيْءٍ" لتشمل المادي والمحسوس، وتمتد فلسفياً وعقائدياً لتُطبق على الغيبيات والعوالم غير المنظورة.
أولاً: مفهوم قانون الزوجية في الكون المادي
يقوم هذا القانون في عالم الشهادة (المادي) على فكرة الثنائية والتكامل؛ فلا توجد مفردة في الكون مكتفية بذاتها دون مقابل يكملها ويحقق معها التوازن. ومن أبرز تجلياته :
• عالم الذرة: تتكون الذرة من شحنات موجبة (بروتونات) وشحنات سالبة (إلكترونات).
• عالم الأحياء: الذكورة والأنوثة في الإنسان، والحيوان، والنبات (أعضاء التذكير والتأنيث).
• الظواهر الكونية: (الليل والنهار)، (النور والظلام)، (المادة والمادة المضادة).
ثانياً: تطبيق قانون الزوجية على الغيبيات
يمتد هذا القانون من عالم المادة إلى عالم الغيب، ويظهر ذلك في عدة مستويات عقائدية وفلسفية:
1. ثنائية الوجود (عالم الغيب وعالم الشهادة)
الوجود بمجمله محكوم بزوجية كبرى؛ فهو ينقسم إلى عالم الشهادة (المحسوس والمرئي والمخضع للتجارب) وعالم الغيب (المخفي عن الحواس والوسائل البشرية). أحدهما مكمل للآخر؛ فلا يمكن فهم الحكمة من عالم الشهادة دون الإيمان بالآخرة والغيب ومآلات الأفعال.
2. ثنائية العوالم والمخلوقات العاقلة
• الإنس والجن: خلق الله الثقلين كزوجين في التكليف والمسؤولية؛ فالإنسان يمثل الخلق الطيني المادي، بينما يمثل الجن الخلق الميتافيزيقي (الناري/الغيبي).
• الملائكة والشياطين: تمثل الملائكة قوى الخير الطاعة المطلقة والجمال والنور في الغيب، بينما يمثل الشياطين قوى الشر والظلمة والتمرد. هذا التضاد والزوجية يحققان التوازن في الابتلاء البشري.
3. ثنائية الزمن والمصير (الدنيا والآخرة)
الحياة البشرية لا تنفرد بذاتها، بل ترتبط بزوجها الغيبي:
• الدنيا والآخرة: الدنيا دار ممر وعمل وابتلاء، والآخرة دار مقر وجزاء وحصاد.
• الموت والحياة: الموت حقيقة غيبية ننتقل بها من حياة إلى حياة أخرى (البرزخ).
• الجنة والنار: هما المقران النهائيان في عالم الغيب؛ الجنة دار النعيم المطلق، والنار دار العذاب المطلق.
4. ثنائية المعاني والقيم الغيبية
الأفعال البشرية والمفاهيم الروحية محكومة أيضاً بالزوجية:
الحسنات والسيئات: لكل فعل بشري وجه غيبي يُسجل في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة.
الهداية والضلال / الحق والباطل: ثنائيات حاكمة للسنن التاريخية والاجتماعية.
ثالثاً: الحكمة الإلهية من قانون الزوجية الغيبي والمادي
• إثبات الوحدانية للخالق: عندما يرى الإنسان أن كل شيء في الكون (مادياً كان أم غيبياً) يحتاج إلى شق آخر يكمّله، يدرك أن الله وحده هو الوتر الفرد الصمد الذي لا زوج له ولا شبيه، والمنزه عن النقص والحاجة]
• التكامل والاتزان: الكون لا يستقيم بقطب واحد؛ فالأضداد والثنائيات هي سر حركة الحياة واستمرارها.
• تحقيق العدالة المطلقة: ربط عالم الشهادة بعالم الغيب (مثل الدنيا بالآخرة) يمنح الوجود معناه؛ حيث يُنصف المظلوم ويُجازى المحسن، ولولا هذا الشق الغيبي لكانت الحياة المادية عبثية بلا قيمة.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق