
لا أدري ما سر هذا الذي أسميه -إن كنت صائبا – تبلدّا في المشاعر وأدى إلى اللازمة التي أصبحت معروفة في قاموس لغة الشارع الليبي ( عادي) ، نعم عادي! ولو كان هذا الـ (عادي) موت الآلاف من أهلنا (قتلا) على اسفلت الطرقات والأرصفة ، ولا أدعي أنني أعرف سبب هذا الموقف السلبي الذي لا أفصله عن جملة التكوين الثقافي الاجتماعي الذي يتسم به السواد الأعظم من المجتمع الليبي ، ولا أعرف اسبابه الحقيقية أهو السياسي الذي لم يكن ودودا في تعامله مع المبادرات الشخصية أم الاقتصادي وتداعياته على الفرد من حيث ترتيب أولوياته ام الاجتماعي متأئرا بالسياسي والاقتصادي معا ، أم هي حالة لامبالاة عامة وإحساس بانعدام الجدوى والاحباط وكله يرتبط في النهاية بما سبقه ؟ طبعا غير (عادي) أن تبقى حالة البلادة واللامبالاة أمام حقيقة تقول ان قرابة الـ 21000 ليبي قتلوا خلال 12سنة نتيجة حوادث الطرق , أي بمعدل يقترب من الـ 2000 قتيل سنويا ما زاد عن أربعة أضعاف قتلى الجيش الأمريكي في حرب العراق وأفغانستان معا خلال عشر سنوات تقريبا , وكل ذلك يحدث في بلد لا يكاد تعداد سكانه يتجاوز الـ خمسة ملايين ونصف المليون نسمة ! من غير الـ (عادي) أن يقتل 85 مواطنا خلال أسبوعين فقط ( من 14 الى 28/6/2010) ما يعني سقوط ستة قتلى يوميا (عشرة أضعاف قتلى الجيش الأمريكي في العراق على امتداد الشهر نفسه) , وأضيف ان عدد القتلى الجيش في الحرب الدائرة في أفغانستان خلال 100 شهر يسقط مثله في ليبيا خلال ستة اشهر فقط بفعل حوادث الطرق! أشير إلى هذه الأرقام للتأكيد على أن خسائر حوادث الطرق لدينا تقترب من خسائر حرب , بل هي حرب حقيقية , إذن ألا تتطلب الحرب ــ وان كانت للأسف حرب الليبيين ضد أنفسهم ــ درجة معينة من الاستنفار وتشكيل خلية أزمة لتقييمها ودراستها ميدانيا والتعاطي مع الواقع الذي تفرضه بما في ذلك تقدير ما قد ينجم عنها من خسائر , ومواجهة تداعياتها ومعالجة آثارها ؟ هذا يتطلب أيضا وجود دراسات وبحوث واستطلاعات للرأي وإحصائيات وشفافية في التحليل والتشخيص ,بعيدا عن الاطلاقيات والاستنتاجات العشوائية المتحاملة أحيانا حين نسمع أحكاما مرسلة من بعض المسؤولين في تحديد أسباب الحوادث مثل التهور والطيش ما يعني في التفاصيل السرعة وعدم التقيد باشارات المرور واستخدام الهاتف المحمول خلال قيادة السيارة وما الى ذلك من محاولة ازالة بعض المسؤولية من خانة أداء الدولة والقائها على رؤوس الضحايا وحدهم , وقد سمعت عددا من هؤلاء يكررون ذلك حتى ظننت أن الهاتف المحمول مثلا هو السبب الرئيس في غالبية ما يقع من حوادث مأساوية , الا أن دراسة نشرت في بلادنا أظهرت أن 97.6 % من تلك الحوادث لم يكن سائقو السيارات فيها يستخدمون الهاتف المحمول خلال وقوع الحادث وأن 2.4% كانوا يستخدمونه , في هذا السياق لا بد من الاشادة بالذين انكبوا مدة ثلاثة سنوات لاعداد هذه الدراسة تحت عنوان (مشروع دراسة اصابات حوادث الطرق وآثارها) وبتنفيذ من اللجنة الوطنية للصحة المهنية والوقاية من الحوادث , ومثل هذه الدراسة التي اطلعت عليها مؤخرا هي ما نحتاجه في التعامل الجدي مع كارثة حوادث الطرق اذا ما أردنا أن نتعاطى مع الأسباب قبل القفز الى النتائج , أي عندما يقول أحدهم ان من اسباب وقوع حوادث الطرق هو عدم تقيد السائقين بقواعد المرور وعدم احترام القوانين ، يجب أن نسأل لماذا لا يحترم هؤلاء السائقين القواعد والقوانين , وما السبيل الى جعل السائق الذي هو مواطن في الأساس يحترم تلك القواعد والقوانين ؟ وما مدى مسؤولية الدولة ومؤسساتها في هذا الشأن؟ ومع اتفاقي الى حد ما مع اتهام ذلك المواطن السائق بمسؤولية مهمة في تسبب الحوادث , الا تلك الدراسة بينت لنا جوانب أخرى كان لها شأن في زيادة حجم المأساة , منهاعلى سبيل المثال أن %74.7 ممن توفوا في حوادث الطرق لم توفر لهم الاسعافات الأولية , وأن %99.1 ممن تعرضوا للحوادث قدمت لهم اسعافات من أشخاص عاديين مقابل 0.5 من هؤلاء قدمت لهم الاسعافات من موظفين طبيين , ونقل اكثر من 90% من المصابين بسيارات خاصة بينما نقل 8% منهم بسيارات اسعاف , هناك أيضا جانب مزدوج للخسارة بينته الدراسة وهو أن أكبر عدد من ضحايا الحوادث ينحصرون في الفئة العمرية من 20 الى 34 عاما , وأن معظم مرتكبي الحوادث هم من ذوي المستوى التعليمي المرتفع ( ثانوى-جامعي) ما يعني النخبة الشابة المتعلمة المنتجة ..اذن مرة أخرى هل يمكن أن نبقى بهذا القدر من التبلد واللامبالاة ونحن نعيش الكارثة بكل جوانبها،و نشهد مسلسل القتل اليومي ونحصي ضحاياه وكأننا أمام مشهد تلفزيوني وكأن الذين نراهم يهلكون ليسوا نحن وأبناءنا وأقرباءنا , وان أحسسنا الفجيعة لا يسعنا الا نصب خيم العزاء والحسرة وتوزيع الاتهامات واطلاق احكام واستنتاجات لا تقدم بقدر ما تؤخر ؟! أعود فأقول ان حوادث الطرق في بلادنا وما تنتجه من خسائر بشرية ومادية يومية فادحة فاقت المعقول , انما هي كارثة بحجم حرب , جديرة بأن تخيفنا وترعبنا وتضعنا في حالة استنفار وتستعجلنا في أن اتخاذ مبادرات جادة ومدروسة وملحة لمواجهتها , وفي اعتقادي يستحق الأمر أن تشكّل خلية أزمة من كل الجهات المعنية في بلادنا بالكارثة وبأسبابها , لتقليل الخسارة الآن على الأقل ,ومحاولة وضع حلول على المدى البعيد من شأنها وضع حوادث الطرق في اطارها المعقول والمقبول وكظاهرة لا تخلو منها بلدان ومجتمعات غيرنا , وكوصفها في أفضل الحالات بضريبة التطور الحضاري الذي رمى الى شوارعنا وساحاتنا بهذه الأطنان من الحديد وتفنن في تصميم أشكاله ورسم ألوانه ولكنه في النهاية قد يكون أداة للقتل كما هو أداة مفيدة في الحياة .
0 التعليقات:
إرسال تعليق