
راهن الثقافية بين ليبيا ومصر .. وتحديدا ما يتعلق بالعمل المؤسسي أو المؤسساتي,هو بلغة دبلوماسية راهن لا يرتقي الى المستوى الذي يجب أن تكون عليه هكذا علاقات بين هكذا جارين شقيقين , أما بلغة نقدية فهو راهن بائس وسط طغيان السياسي والاقتصادي , وخطاب اعلامي يهمش الثقافي , ويكاد يختزل العلاقات بين البلدين في ملفات اقتصادية معينة صارت بمثابة الترمومتر الذي تقاس به هذه العلاقات , فهي جيدة ان كان حال تلك الملفات جيدا , والعكس صحيح .. ومع تسليمنا بأهمية هذه الملفات كقضايا العمالة والتبادل التجاري في تشكيل صورة العلاقات الليبية المصرية , الا أنها تبقى جزئية في تركيبة هذه العلاقات من منظور شامل .. زد على ذلك أنها ملفات متحركة تبقى رهينة المزاج السياسي , ولا يمكن الاتكاء عليها في تقييم حقيقي للعلاقات..
إن إطلالة بسيطة على المشهد الثقافي المتصل بمسمى التواصل الثقافي بين ليبيا ومصر ، لا يحتاج فيها الراصد الى جهد لاكتشاف الغياب الكبير لهذا التواصل المفترض , يكفي أن نشير الى أن ربع القرن الأخير لم يشهد سوى زيارتين تقريباً لوزير ثقافة مصري الى ليبيا ، ربما كانت واحدة منها فقط تتعلق بالتعاون الثقافي .. الى ذلك لم تشهد الساحتان الثقافيتان في ليبيا ومصر مناشط يبنى عليها على المستوى المؤسسي منذ أكثر من عقدين ، عدا بعض المبادرات المناسباتية ،ومنها هذه المحاولات أحادية الجانب التي بدأنا نراها ضمن أداء المؤسسة العامة للثقافة في ليبيا, أو تلك التي لم تكن مبرمجة ضمن أجندة محددة للتعاون الثقافي بين البلدين .. في المقابل سنجد عشرات بل مئات الزيارات المتبادلة التي يقوم بها مسؤولو البلدين في قطاعات أخرى ,ولا يكاد يمر يوم إلاّ وتطالعنا وسائل الإعلام هناك وهناك بجديد فيما يتعلق بحركة التعاطي السياسي أو الاقتصادي الثنائي .. رغم أن التجربة ، بل الحقيقة ، كشفت لنا في غير مناسبة أن السياسة والاقتصاد كما أسلفت معطيين متحركين ومتذبذبين ، بينما الثقافي الغائب أو المغيب هو الأساس المعزز بموروث كبير وطويل متصل بحقائق تتعلق بالمشترك التاريخي والجغرافي والاجتماعي ..إن التواصل الثقافي هو الحاضن المفترض لعلاقات طبيعية استناداً لهذا المشترك ، والثقافة هي المؤهلة لحماية هذه العلاقات حين يخذلها السياسي والاقتصادي ..
وأنا لا أتحدث عن ثقافة مختزلة في كتاب ينشر أو يعرض هنا أو هناك , ولا ندوة تعقد ثم ينتهي أثرها بانتهاء جلساتها , أتحدث عن الثقافي المتداخل في الاجتماعي بل هو الاجتماعي نفسه حين يتغلغل في المجتمع ويشكل سلوكا عاما فيه .. نحن في بلدين بهذه الخصوصية في العلاقة ( جيرة , أخوة , تداخل اجتماعي , تداخل في المصالح , مع حركة تنقل وعمل واستقرار تضم في سياقها ملايين من أبناء البلدين ) في حاجة الى تواصل يتحول الى حالة يومية من المعايشة والفعل المستمر , وليس برامج موسمية تقليدية يمكن أن تنظم بين أي من بلدينا وبلد آخر في آسيا أو أمريكا اللاتينية على سبيل المثال ..
سمعت بعض أساتذتنا يتحدثون عما وصفوه بالزخم الثقافي الذي تولّد عن مساهمات مميزة لنخبة من أساتذة الجامعات المصريين في ليبيا خلال تواجدهم فيها فترة الخمسينات وبعدها بقليل حيث استطاعوا أن يخلقوا حالة ثقافية ممبزة على المستويين الكمّي والنّوعي ..
حدث ذلك في فترة من القرن الماضي اتسمت بصعوبة الظرف الاقتصادي , ولعل هذه مفارقة ملفتة اذ نفتقد اليوم هكذا حالة رغم ظهور النفط وتيسر , وتطور وسائل التنقل , وارتفاع نسب الوعي والمعيشة في ظل تقدم تكنولوجي في مجال الاتصال والاعلام وتدفق المعلومات لم يشهد التاريخ البشري مثله .. ما يطرح سؤالا مهمّا : لماذا يغيب التواصل الثقافي بالمعنى الذي أشرنا اليه في مساق العلاقات الراهنة بين البلدين ؟
في البحث عن اجابة على السؤال ثمة حقيقة لا يجب القفز فوقها , ثمة فجوة ما , أو نقطة تلاقي غائبة في الشأن الثقافي بين الطرفين , قد يتجاوز العلاقة بين ليبيا ومصر الى مسمى أكبر ( مشرق ومغرب) وهي قضية أثيرت في أكثر من وقت ومناسبة , وتعوّد أن يستحضر فيها كلّ طرف مبرراته في توصيف الحالة , لست هنا بصدد البحث عن المسؤول على استمرار هذه الفجوة , ولكن يجب التسليم بأن هناك خلل في بناء العلاقات المفترض كما أشرت بين بلدين يحملان هذه الخصوصية في العلاقات التي تربط بينهما , خلل لابد من الوقوف عنده بجدية وتحليله لتحديد مسبباته ومن ثم معالجته , حتى لا نجد أنفسنا يوما أمام تراجع مؤسف لهذه العلاقات لسبب ما , ليس كبيرا بالضرورة – مباراة رياضية مثلا – ونكتشف حينها وهم الاكتفاء بالاتكاء على (ماض أخوي), وأننا في الحقيقة بعيدون عن بعضنا البعض وفي حاجة لأن يتعرف أحدنا على الآخر من جديد .. هنا نراهن على الثقافي اللصيق بالاجتماعي في صياغة راهن محصن يحمي العلاقات ويجذر ارتباطها بامتداد الماضي بما يحمله من مشترك ..
0 التعليقات:
إرسال تعليق